القاضي عبد الجبار الهمذاني
150
المغني في أبواب التوحيد والعدل
لكي يعرف ، فإذا لم يفعل ذلك فمن نفسه أتى ؛ وقد علمنا أن القديم تعالى ، وإن خلق المعرفة ، وأزاح العلة بالتكليف لم يضطره إلى الإقرار والتصادق ، وإنما أمره أن يفعل ذلك اختيارا ، فكيف يصح منا أن نسوقه إليه ؛ وصار الاعتراف في أنه من تكاليفه كالنظر في الأدلة ، فكما أنا نبين الطريقة ، ونبعث على النظر ، فكذلك نبين على أنه عارف ، ونبعثه « 1 » على الاعتراف والتصادق ؛ فكما أن تركه للنظر فيما طريقه الاستدلال لا يخرجه من أن يكون مزاح العلة ، فكذلك تركه « 2 » التصادق لا يخرجه من أن تكون الحجة عليه قائمة . وإنما أوردنا هذه الجملة لنجعلها توطئة لما نريد ذكره في باب « نقل القرآن والتواتر فيه » ، إلى غير ذلك مما يدعى أن العلم به ضروري بالأخبار ، لئلا يظن من ينظر في كتابنا أن اليهود ، أو بعضهم ، إذا جحدوا بعض ذلك فله تأثير فيما نريد بيانه ، من إثبات النبوّات ؛ لأن ذلك لو أثر لأثر طريقة السمنية في إثبات كل النبوّات ؛ وطريقة السوفسطائية في إثبات التكليف أصلا ؛ وإنما يجب في مثل ذلك التصادق ، وتأمّل حال النفس ، فيما يذكر من المعرفة ؛ فإن كانت حاصلة فقد صح المراد ، وإن كان طريقها مشتركا فقد صح المراد ؛ وقد بينا ، فيما تقدم ، أنه لا سبيل في العلوم المكتسبة والضرورية إلى أن نعرف حال الغير فيهما إلا بأن نعرف حال أنفسنا ، ونعلم أن حال غيرنا كحالنا في وجوب الاشتراك في المعرفة ، عند حصول طريقه وسببه . وإذا لم نسلك هذه الطريقة لم نعلم أحدا عالما ؛ لأن الّذي يدل الفعل المحكم عليه من المعارف هو ما يتعلق بالصناعات - وما يجرى مجراها - التي تصح عندها الأفعال المخصوصة ؛ فأما العلوم الدينية فلا طريق إلى أن
--> ( 1 ) في « ص » ونبعث . ( 2 ) ساقطة من « ص » .